الحياة الجديدة
ها نحن في زمن التّحضير لميلاد السّيّد.
نستعدّ لحضور الإله فيما بيننا، لا بل فينا.
هو زمن فرح وشوق لتجدُّد الحياة بالإله المتجسِّد.
هو يأتينا، لنأتي به إلى أبيه. روحه هو يأخذنا إلى الآب بالابن.
روح الإله المتجسِّد يخلقنا جُدّدًا في مسيح الرّبّ.
تتجدَّد فينا الحياة الأبديّة بالإله، وفقط بالإله.
لا جدَّة في الوجود خارج الإله اللامتغيِّر واللامتحوِّل.
* * *
سرّ الحياة الجديدة هو سرّ تَكَشُّف حقيقة الإله للخليقة في ابنه المتجسِّد.
البشر يعيشون لما هو ملموس، ولو تظاهروا بعكس ذلك،
ما لم يعرفوا غير الملموس وغير المنظور في ذاته.
"من رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9).
سر التجسُّد هو سرّ استعلان الله، سرّ معاينة غير المنظور،
سرّ إدراك غير المُدْرَك، سرّ لمس غير الملموس، في ابن الله المتجسّد.
"اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا،
الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ.
فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا.
الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا.
وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1 يو 1: 1 – 3).
* * *
من دخل في شركة الحياة الإلهيّة الّتي للثّالوث القدُّوس، يكون قد ولج سرّ التّجدُّد الأبديّ.
في هذا العالم يمرّ التّجدُّد بالموت حُكْمًا. بالموت عن الأنا أوَّلًا.
ما معنى أن يموت الأنا؟!.
موت الأنا هو موت كلّ رغبة في الاستهلاك، وتحوّل كلّ طاقة الإنسان إلى الخروج من ذاته،
إلى ما هو خارجه، ليصير ما هو في الخارج المسكن للأنا.
يصير الأنت هو الأنا.
الأنت بالمُطلَق هو الله.
لذلك، قال الرّبّ يسوع إنّ أولى الوصايا هي حُبُّ الله من كلّ القلب والنّفس والفكر والقوّة
(أنظر مر 12: 30 ومت 22: 37 ولو 10: 27).
في محبّة الله، المتمثّلة بالطّاعة له في كلمته، يتعلّم الإنسان الحبّ، وبغير هذا لا يتعلّم إلّا الأنانيّة.
متى أدرك الإنسان أنّ حياته ليست من ذاته بل من آخَر، هو الله،
حينئذ يستطيع أن ينمو في الحياة لأنّه سيطلبها، إذ إنّ سرّ الإنسان هو الشّوق إلى الحياة الخالدة.
حتّى لمّا يسقط البشر في اليأس القاتِل يكونون يطلبون الحياة الأبديّة،
إذ يكتشفون عدميّة هذه الحياة، أي الحياة بعيدًا عن الله.
فقط من عرف الله أدرك عظم عطيّة الوجود.
* * *
"أُطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ"
(مت 6: 33).
أطلبوا أوّلًا أن تتعلّموا محبّة الله وأن تعرفوا الله المحبّة
(أنظر 1يو: 4: 8 و16).
* * *
هذا هو ملكوت الله أن تصيروا مسكنًا للإله "المحبّة"،
الّذي كشف لنا عن "سرّه" المكتوم منذ الدّهور
(أنظر أف 3: 9 وكو 1: 26) في ابنه المتجسِّد.
كلّ جِدَّة في حياتنا تأتي من تمثُّلِنَا بالرّبّ يسوع في كلّ نيّة وفكر وقول وعمل.
نحن ضعفاء، لكن الرّبّ أمين أن يهبنا قوّته في نعمته،
إذا تواضعنا وطلبناه من عمق كلّ كياننا...
* * *